الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
416
نفحات الولاية
نعم ، ليس هنالك ما يثير الدهشة والعجب في مخاطبته بهذه الكلمات من قبل الإمام عليه السلام . والواقع لم يرد في كلام الإمام عليه السلام سوى بعض صفاته الشنيعة التي تحتم على القائد الحكيم في ظل بعض الظروف أن يعري بعض الأفراد المتآمرين أمام أعين الامّة وانظارها لكي لا تنطلي عليها حيله والأعيبه ، ولا سيما طائفة الشباب من المجتمع التي قد لا تمتلك الاطلاع الكافي عن حياة وماضي أولئك الأفراد ، اذن فقد كانت كلماته من قبل التعريف به للُامّة ، لأنّها انطلقت بدافع الإساءة والسب والشتم . 2 - كيف صبر الإمام عليه السلام على هذا المنافق لعل ما ورد في الخطبة المذكورة يثير لدى البعض هذا السؤال : إذا كانت للأشعث بن قيس مثل هذه السابقة في الغدر والنفاق وإثارة القلاقل والمفاسد ، لم صبر عليه الإمام عليه السلام ولم يأمر بقتله ؟ والجواب على هذا السؤال هو أن تعامل أئمة المسلمين مع عناصر النفاق ينطوي على شيء من التعقبيد ؛ فقد كانت عناصر النفاق تعيش الازدواج في تظاهرها بالاسلام وأدائها لشعائره من قبيل الصوم والصلاة وقراءة القرآن ، واضمارها للكفر والتآمر والخيانة والفساد وعليه فالاصطدام بهم قد يؤدي إلى إثارة بعض التوترات وتعالي أصوات الرأي العام في قتل المسلمين من أهل القبلة دون التورع في سفك دمائهم ، ولا سيما بالنسبة للأشعث الذي كان ينتمي إلى قوم وقبيلة ؛ الأمر الذي يصعد من حدة التوتر لا محالة . وقد شهد الرسول صلى الله عليه وآله مثل هذه المشكلة ، بل كانت أعظم حدة ممّا هي عليه في عهد أمير المؤمنين عليه السلام حتى ورد عنه صلى الله عليه وآله أنّه قال : « لولا أنّي أكره أنّ يقال إن محمداً صلى الله عليه وآله استعان بقوم حتى إذا ظفر بعدوه فتلهم لضربت أعناق قوم كثير » . « 1 » أجل فقد كانت هنالك طوائف من المنافقين التي إندست بين صفوف المسلمين ، بل كانت تشهد حتى الغزوات إلى جانبهم ، ولعل الاصطدام بهم كان يعني أن الإسلام لا يقيم وزنا لدماء المسلمين ، ومن هنا لم نسمع بان رسول الله صلى الله عليه وآله أمر بقتل أحدهم طيلة حياته المباركة ، إلّاأنّ ذلك لم يكن ليمنع الرسول صلى الله عليه وآله بل القرآن في التصدي لهم وتعريتهم أمام الامّة .
--> ( 1 ) وسائل الشيعة ، أبواب حد المرتد / الباب 5 ح 3 .